Ailia Emame:
ما نحتاج معرفته.. حول اختيار القائد الجديد لإيران.
الكاتب #Ailia_Emame
أوّلاً: أُعزّيكم بمناسبةِ جُرحِ رأسِ القرآنِ الناطق.. أميرِ المؤمنين عليه السلام.
وبالنسبةِ لاختيارِ السيّد مجتبى الخامنئي.. فيجب أن نقاربَ الفكرةَ من ثلاثِ نواحٍ:
أوّلاً: من الناحيةِ القانونيةِ والشرعية:
إنّ الدستورَ الإيراني لسنة 1979 (المعدّل في 1989) نصَّ بوضوحٍ على آلية القيادة وشروطها.. ومن أهمّ مواده في هذا الباب:
(المادة 5: في زمنِ غيبةِ الإمامِ المهدي (عجّل الله تعالى فرجه).. تكون ولايةُ الأمر وإمامةُ الأمة في جمهوريةِ إيران الإسلامية بيدِ الفقيهِ العادل.. المتّقي.. البصيرِ بأمورِ العصر.. الشجاعِ القادرِ على الإدارةِ والتدبير.. وفقاً للمادة 107.
الفصل الثامن: القائد أو مجلس القيادة.
المادة 107: بعد وفاةِ مرجعِ التقليدِ المعظّم والقائدِ الكبير للثورة الإسلامية العالمية.. ومؤسّسِ جمهورية إيران الإسلامية.. سماحةِ آية الله العظمى الإمام الخميني (قدّس سره الشريف).. الذي اعترفت الأكثرية الساحقة للناس بمرجعيته وقيادته.. تُوكَل مهمةُ تعيين القائد إلى الخبراء المنتخبين من الشعب.
ويتدارس هؤلاء الخبراء ويتشاورون بشأن كلّ الفقهاء جامعي الشرائط المذكورين في المادتين 5 و109.. ومتى ما شخصوا فرداً منهم.. باعتباره الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهية.. أو المسائل السياسية والاجتماعية.. أو يحظى بشعبية عامة.. أو بتميّزٍ بارزٍ في إحدى الصفات المذكورة في المادة 109.. ينتخبوه للقيادة.
وفي حال عدم وجود هذه الصفات المتفوّقة.. ينتخبون واحداً منهم ويعلنونه قائداً.
ويتمتّع القائد المنتخب من مجلس الخبراء بولاية الأمر.. ويتحمّل كل المسؤوليات الناشئة عن ذلك.
ويتساوى القائد مع كل أفراد الشعب أمام القانون.
المادة 109: المؤهلات والشروط اللازم توفرها في القائد:
١) الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه.
٢) العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة الإسلامية.
٣) الرؤية السياسية الصحيحة.. والكفاءة الاجتماعية والإدارية.. والتدبير والشجاعة.. والقدرة الكافية على القيادة.
وعند تعدد من تتوفر فيهم الشروط المذكورة.. يُفضَّل الحائز على رؤية فقهية وسياسية أفضل من الآخرين). انتهى.
وبناءً على ذلك:
١) الدستورُ الإيراني ينص على كفاية الاجتهاد بقوله (الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء) ويجعل الأعلمية الفقهية تفضيل غير واجب التوفر بقوله (باعتباره الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهية.. أو المسائل السياسية.. أو .. أو أو) فمجردِ ثبوتِ اجتهادِه يكفي.. ولا ضرورة لكونه الأعلم.. والمفروضُ أنّ مجلسَ خبراءِ القيادة قد تأكّدَ من اجتهاده.
٢) بين الحدين الأدنى والأعلى.. ينبغي التأكيد على التفريق بين أمرين مهمّين:
الأول: القيادة السياسية والولاية على إدارة شؤون البلاد..
وهذه كما مر يكفي فيها تحقّقُ (الحدّ الأدنى من الاجتهاد).. بوصفه مصحِّحاً شرعياً لقرارات الحاكم.. لأنّ القائد يدير الدولة وفق اجتهاده.
الثاني: المرجعية الدينية للتقليد..
وهذه يُطلب فيها (الحدّ الأعلى من الأعلمية) في نظر المكلَّف.. بوصفها مجوِّزاً للتقليد.. إذ إنّ المكلَّف مكلَّفٌ بالرجوع إلى الأعلم من الفقهاء المتصدّين.
ولهذا فهناك فرقٌ واضح بين اختياره كقائدٍ للجمهورية.. وبين كونه مرجعَ تقليدٍ للأمة.
فإذا كان بقيةُ المراجع يقبلون بقيادته السياسية ولا يعارضونها.. فلا إشكال في ذلك.
أمّا المرجعية.. فهي مقامٌ آخر.. له شروطه الخاصة التي أهمّها وقطبها هو الأعلمية.
ثانياً: من الناحيةِ السياسيةِ والنفسية:
١) في اختياره أُسوةٌ وعُزوةٌ بعد والده.. وليس المقصود هنا مجرّد البعد العاطفي.. بل ما يمثّله ذلك من امتدادٍ رمزيٍّ وسياسيٍّ لمرحلةٍ طويلةٍ من القيادة.
فوالده قاد البلاد لعقودٍ في ظروفٍ بالغة التعقيد: حروب.. حصار.. صراع دولي.. وضغوط سياسية واقتصادية وأمنية.. ومع ذلك بقيت الدولة متماسكة.
إنّ وجود شخصيةٍ من داخل هذا البيت السياسي.. تربّت في قلب هذه التجربة.. واطّلعت على تفاصيلها.. يمنح كثيراً من أنصار الثورة شعوراً بالاستمرارية وعدم الانقطاع.
ففي اللحظات الانتقالية الحسّاسة.. غالباً ما تبحث الشعوب عن عنصرٍ مألوف يخفّف من صدمة التحوّل.. ويمنح الإحساس بأنّ المسار العام لم ينكسر.
ولهذا فإنّ وجوده قد يشكّل ـ على المستوى النفسي والسياسي ـ نوعاً من الطمأنينة داخل البيئة المؤيدة للثورة.. باعتباره امتداداً لنهجٍ مألوفٍ لديهم.. وليس بداية تجربةٍ مجهولة.
٢) وجودُه ضمن نسيجِ الحرس.. ومعرفتُه بتفاصيلِ أجهزةِ الدولة.. بحكمِ موقعِه من والده.. يساهمُ في الاستقرار.
٣) يشكّل هذا تحدّياً حقيقياً لترامب.. وبحسبِ محلّلٍ أمريكي أعجبني توصيفه قبل قليل: كلُّ ما فعله أنّه جدّدَ في عمرِ الخامنئي 32 سنةً أخرى.. فبعد أن كان عمرُه 89.. جعل عمرَه 57 وهذا أمر جيد.
٤) السيّد فقد عائلتَه بالكامل:
(والده.. ووالدته.. وزوجته.. وأخواته.. وأولاده).. وربما غيرهم..
لا أعرف بالضبط.. وهذا يعطيه رصيداً كبيراً من المواساةِ للناس.. ويجعله مندمجاً أكثر مع معاناةِ الناس.. وسيكونون أكثرَ تقبّلاً له.
٥) ستحاول أمريكا والكيان استهدافَه.. وسيشكّل هذا أكبرَ تحدٍّ استخباراتيٍّ لهم.. وفي الوقتِ نفسِه سيكون أكبرَ ضربةٍ لإيران لو وصلت يدُ الأعداء إليه ـ لا سمح الله ـ.
ثالثاً: من ناحيةِ التحوّلات:
تواجهُنا ثلاثةُ أسئلةٍ مهمّة:
١) هل سيكون على السطح مستعداً للموت مثل والده.. أم يلجأُ إلى ملجأ؟
٢) هل يعني هذا توريثَ القيادة.. مع أنّ الثورةَ الإسلامية لطالما انتقدت توريثَ نظامِ البهلوي؟
٣) هل سيكون ملزَماً بإرثِ والده.. فيُبقي على المنعِ والتحريم من صناعةِ قنبلةٍ نووية.. أم سيكون له رأيٌ آخر؟
وأظنُّ أنّ دماءَ وتضحيةَ السيّد الخامنئي بنفسه.. جعلت الخامنئي الابن في سعةٍ من هذه الأسئلة الثلاثة:
فهو ليس مضطراً للبقاءِ على السطحِ والاستهداف.. لأنّ والده قد دفع هذه التكلفة.. وهذا يكفي.
وعليهم أن يحفظوه بأيّ وسيلة.. لأنّ استهدافَه سيكون كارثةً حقيقية.
كما أنّه لم يستلم الحكمَ من والده مباشرة.. وبتأثيرِ لوبيٍ معيّن.. ودون مؤهلات.. بل خضع لمجلسِ خبراءِ القيادة.. بعد أن مضى والده شهيداً.. هو ونخبةُ القياداتِ معه.. بطريقةٍ لم تترك مجالاً للتوقّع أنّ هناك ترتيباً لنقل القيادة.. لأنّ القيادةَ كلّها قضت مقطّعةَ الأوصال.
وإذا كان يريد العدولَ عن فتوى والده.. والتوجيه بصناعةِ قنبلةٍ نووية (وأستبعد ذلك).. فإنّ منطقَ القائلين بأنّها (يجب صنعُها) أصبح أقوى.. وأكثر مقبولية.. بعد ما فعلته أمريكا والكيان.. وما كانت لتتجرّأ على فعلِه سابقاً.
ملاحظة أخيرة:
بدأ بعضُ الإخوة يكتب ويربط بين هذا الاختيار.. واحتمال اختيار السيّد محمد رضا السيستاني ـ حفظه الله ـ بعد والده المرجع الأعلى دام ظله.. ويرى أنّ اختيار السيد مجتبى سيحرج ويسكت الأصوات التي تشن حملة على السيّد محمد رضا دامت بركاته بأنه يسعى لوراثة أبيه ـ بعد عمرٍ طويل إن شاء الله ـ.
وهنا أُنوّه إلى عدم سلامة هذا المنطق.. وضرورة عدم ربط الأمرين معاً.
أنّ واحداً من أخطرِ ما يحيط بالطائفة.. أن يُوضَع هذا المنصبُ الإلهي على طاولة الحسابات السياسية أو الدولية.
فمقامُ المرجعية كان وما زال يدور مدارَ الأعلم من المتصدّين.. وإذا أردنا له البقاءَ نقيّاً في نفوس الناس.. فيجب أن يبقى هذا هو المعيار الأوحد.. بقطع النظر عما يجري في إيران أو غيرها.
فإن كان سينعقد الرأيُ الأعمّ لأصحاب الخبرة على أنّ سماحة السيّد محمد رضا هو الأعلم.. فهو أهلٌ ومحلّ.. وهو سرُّ أبيه.
وإن كان سينعقد على غيره.. فأنعم وأكرم به وبغيره.
وأخيراً أقول: من كان غيوراً على جسد الدين.. فليكن غيوراً على ثوب المرجعية.. ومن كان غيوراً على ثوب المرجعية.. فلا يلطّخه بحساباتٍ دنيويةٍ لا توصل العبدَ إلى ربّه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق