كتب الروائي والصحفي حمزة الحسن .
." قيادة عمياء تقود سكارى"
لم يحدث مرة واحدة في التاريخ الحديث أن قامت أمريكا بمحاربة الفساد ونجحت لأنها تخلق بيئة الفساد في الدول الحليفة للسيطرة وتتحول البيئة الى مؤسسات وقوى اقتصادية مسلحة يصعب السيطرة عليها بالحلول الأمنية والعسكرية بعد أن تتغلغل في النسيج الاجتماعي والإقتصادي بل تستخدم حملات الفساد كأداة لإعادة ضبط التوازنات عندما يهدد هذا الفساد مصالح أمريكا المباشرة في حين يكون الفساد مثمراً لو خدم مصالحها.
لا تحارب أمريكا الفساد لأسباب قانونية أو أخلاقية بل تحاربه عندما يتحول الى تهديد مصالح وتلجأ الى اعادة تنظيم الأجهزة الأمنية في الدول التابعة والحليفة وتحويل المساعدات لها الى أدوات ضغط . الشعار الأمريكي: نظام فاسد و"مستقر" أفضل من نظام ديمقراطي يهدد مصالحها.
في كل محاولات أمريكا محاربة الفساد ودعم نظم حكم موالية انتهت بالفشل وخلق طبقة لصوص جديدة لأنها تعالج الأعراض لا المرض القاتل نفسه.
التجربة الأفغانية (2001 - 2021) مثال قريب وحي في الذاكرة. قدمت أمريكا ملايين الدولارات لبناء جيش وأجهزة أمنية أفغانية واعتمدت على قادة فاسدين لضمان الاستقرار الأمني ومحاربة حركة طالبان. نهب هؤلاء الأموال وعند الهزيمة سيطروا على أحدث الأسلحة.
تقرير "المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار أفغانستان" (SIGAR) أكد:" إن الفساد الذي تغاضت عنه أمريكا (أو غذته) كان السبب الرئيسي في انهيار الجيش الأفغاني بالكامل خلال أيام عام 2021، وعودة طالبان للسلطة".
فيتنام الجنوبية (1955 - 1975)ودعم الديكتاتورية العسكرية بجيش أمريكي ومعدات بل هندست انقلابات لــــــــــــ" تحسين" النظام وفشلت وتحول القادة الذين عينتهم الى طبقة فاسدة جديدة مما أدى إلى سقوط سايغون عام 1975 وهزيمة المشروع الأمريكي هناك.
في أواخر التسعينيات وبداية الألفية أطلقت أمريكا خطة بمليارات الدولارات لدعم الجيش والأمن الكولومبي لمحاربة كارتيلات المخدرات والفساد المرتبط بها في خطة منظمة تسمى: Plan Colombia. النتيجة فشل وتسلل الفساد الى أجهزة مكافحة الفساد وتقاسم الغنائم.
مثال العراق هو الأبرز في بناء جهاز أمني قائم على نظام محاصصة ، أي على أساس فاسد والنتائج كارثية ومستمرة حتى اليوم وما بعده وسبب الفشل نفسه: لا يمكن علاج مشكلة سياسية واجتماعية واقتصادية مثل الفساد بأدوات عسكرية وأمنية لكنها لا تعرف غير هذه الأدوات وأي طرق فكرية وثقافية واعادة صياغة النظام يؤدي الى الإطاحة به لذلك نظام فاسد أفضل من نظام مستقل يضر المصالح الأمريكية.
في أمريكا اللاتينية جسد الأدب عمليات نهب ثروات القارة وخاصة الروائي الكولومبي غابريل ماركيز في روايته الشهيرة" مئة عام من العزلة".
في الرواية، تدخل إلى "ماكوندو" البلدة المنعزلة شركة أمريكية لإنتاج الموز "شركة الموز الأجنبية".
صوّر ماركيز كيف غيّرت هذه الشركة وجه المدينة تماماً؛ فجلبت معها خطوط السكك الحديدية والكهرباء، ولكنها في المقابل امتصت خيرات الأرض، وصادرت الأراضي، وتلاعبت بالقوانين المحلية لصالحها، وحوّلت السكان الأصليين إلى مجرد عمال مسحوقين يُدفع لهم قسائم شراء بدلاً من المال الحقيقي. الرواية تستند على مجزرة عمال الموز عام 1928 وكان ماركيز طفلاً عندما قام عمال الموز باضراب ضد الشركة فتعرضوا الى مذبحة .
رغم كثرة المذابح في العراق منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم لم تتحول مذبحة الى رواية لأن السائد رواية صالونات وثرثرة مثقفين عن مشاكلهم في حين الحياة في الأمكنة المفتوحة كالحقول وساحات الحرب والصرائف ومدن الصفيح والعشوائيات والمصحات النفسية وليس أمكنة العزل المغلقة: البار، المقهى، غرف الدخان، السجن، المشرحة الخ.
الروائي ماريا بارغاس يوسا البيروفي ـــــــــــــــ البيرو ـــــــــ، تعرض بشكل مكثف للنهب الاقتصادي للشركات الامريكية كما في رواية" أوقات عصيبة" وفي رواية" حلم السلتي" عن وحشية الشركات البريطانية في نهب المطاط من الهنود الحمر وفي رواية" البيت الأخضر" عن نهب غابات الامازون وتعاون لصوص الداخل مع الشركات في سلب السكان الاصليين أراضيهم.
كان موضوع النهب الإقتصادي محورياً في أدب أمريكا اللاتينية كجورج أمادو البرازيلي كما في رواية" كاكاو" و" الأراضي العنيفة" ، كذلك "ثلاثية الموز" للغواتمالي ميخيل أنخيل أوسترياس عن دولة مستباحة: الثلاثة ماركيز، ماريا يوسا، أوسترياس نالوا جائزة نوبل.
اليمن في زمن علي عبد الله صالح نموذج واضح للدعم الامريكي بالمال وتدريب قوات الحرس الجمهوري وقوات مكافحة الارهاب بأحدث الأسلحة وما حدث يتجاوز الفشل الى السخرية عندما تلاعب رأس النظام النصاب علي صالح بقضية الإرهاب ودعم القاعدة سرا لإبقاء الدعم الأمريكي وصناعة طبقة واسعة من كبار اللصوص والنتيجة انهيارها مرة واحدة في عام 2011 على يد الحوثيين.
المثال الليبي بعد عام 2011 عندما أطلقت واشنطن برنامجاً لتدريب "قوة عامة استباقية" (General Purpose Force) لإنشاء جيش ليبي جديد لكن بلا رؤية سياسية وحصلت مجاميع على سلاح ودخلت في حرب مع بعضها.
السلطة الفلسطينية : خطة "الجنرال دايتون" بعد 2005 من التجارب المؤلمة في تحول سلطة وطنية الى طبقة لصوص وفشل لأن التركيز على الحل الأمني وغياب الخيار الديمقراطي.
الدعم الأمريكي للجيش اللبناني قديم في مواجهة حزب الله لكن النتيجة انهيار اقتصادي ونخبة فاسدة سرقت المساعدات عام 2019 لأن المال والأمن لن يكون الحل لقضايات سياسية مركبة.
في كل هذه الأمثلة المختصرة ــــــــــــــــــــ وغيرها الكثير ــــــــــــــــــ تركز الحلول الأمنية للنظام مقابل الولاء الاستراتيجي ثم يأتي لاحقاً الإنهيار لأن الولايات المتحدة خبيرة بطلاء نظم الحكم مع الإبقاء على أسس النظام خاوية.
ينطبق عنوان كتاب سيمور هيرش" القيادة الامريكية العمياء: الطريق من 11 ايلول الى سجن أبو غريب" على القيادة الأمريكية في العراق وهيرش واحد من أشهر وأجرأ الصحفيين الاستقصائيين في التاريخ الحديث الذي كشف مجزرة "ماي لاي" في فيتنام (1969) وفضيحة سجن" أبو غريب 2004".
في عراق اليوم في حملة محاربة الفساد قيادة عمياء تقود نظاماً من السكارى نحو التيه في الظلام الثقيل، وتحويل العراق الى وليمة دولية واقليمية وساحة تصفية حسابات والشعب من يدفع الحساب.
العمى السياسي والاستراتيجي عن الحقائق والعجز عن قراءة العواقب والحلول الأمنية والعسكرية خاصية القيادة الامريكية في كل مراحل التاريخ الحديث وعادة يكون الثمن خراب الدول وحطام الشعوب.