الازدواجية الأردنية وترويج الأكاذيب
رسالة إلى من يروّج الأكاذيب: من قتل العائلة الهاشمية في العراق؟
في الأردن يبدأ بعضهم حديثه بمقدّمات جاهزة، ثم يختمه باتهام مكرور:
«أغلبهم شيعة روافض يغدرون… انظروا كيف فعل أهل العراق بالعائلة الهاشمية».
بالأمس كتب بعضهم صراحة:
أنتم قتلتم العائلة الهاشمية!
وهنا لا بدّ من وضع النقاط على الحروف، وتعليم بعض الأردنيين منطق الكلام وكلام المنطق.
يضع الأردني روايته، ويصوغ مقدماته، ثم يصل – بلا دليل ولا معرفة – إلى خلاصة مفادها أن الشيعة في العراق هم من قتلوا العائلة المالكة الهاشمية عام 1958.
لكن هذه الرواية لا تصمد أمام أي فحص تاريخي جاد، ولا تستند إلى واقعة موثقة واحدة.
أقول هذا بعد أن نشرتُ سابقًا مقالًا عن الأثر النفسي العميق الذي خلّفه خطاب التكفير وتحليل دم العراقيين، فجاءت الردود – للأسف – انفعالية وعدائية من كثيرين، باستثناء شخص واحد أعرفه، تعامل بعقلانية، وميّز بين النقد والتحريض، وفهم أن ما كُتب لم يكن إساءة للأردن، بل تشخيصًا لخطاب شائع لدى فئات واسعة.
ومن يطرق الباب، لا بد أن يُجاب.
لنقلها بوضوح:
الشيعي لا يمكنه قتل هاشمي.
بل هو يحترم الهواشم ويقدّسهم، ولو قيل له – إن هذه ذبابة هاشمية، لبنى لها مقامًا، وخاط لها ثوبًا أخضر، ثم تبرّك بها.🥸
الشيعي يقدّس الهواشم إكرامًا لمحمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين،
بخلاف المدرسة الشامية التي قدّست معاوية ويزيد، وهما من سمّيا محمدًا «ابن أبي كبشة».
وهذا موضوع آخر سنعرض أدلته في وقته.
إذن، الادعاء هو:
أن العراقيين (الشيعة) قتلوا العائلة الهاشمية.
والجواب:
هذا ادعاء كاذب تاريخيًا، ولا علاقة له بالوقائع، للأسباب التالية:
الشيعة في العراق آنذاك كانوا:
أغلبية سكانية مهمَّشة سياسيًا
خارج السلطة والجيش ومراكز القرار
يتعاملون مع الهاشميين – بحكم النسب – باحترام ديني رمزي عظيم
ومن يعرف البنية الدينية الشيعية، يدرك أن الاعتداء على شخص يُنسب إلى النبي أو إلى أهل بيته أمر مستحيل نفسيًا وأخلاقيًا، فضلًا عن المشاركة في قتل عائلة كاملة داخل قصرها.
أما الحقيقة التاريخية الثابتة فهي:
من نفّذ القتل كانوا ضباطًا عسكريين من أهل السنّة
من اقتحم القصر وأطلق النار معروفون بالاسم والرتبة
القيادة التي تحمّلت المسؤولية السياسية كانت أيضًا من خلفية سنّية
لم يُسجَّل وجود أي عنصر شيعي في القرار أو التنفيذ أو الاقتحام
ثم المفارقة العجيبة هي انكم ايها الاردنيون:
أنتم الذين تمجّدون وتطبّلون لشخصيات وأنظمة هي نفسها التي أيّدت إسقاط الهاشميين أو برّرت ما جرى لهم، ثم تتهمون الشيعة بالجريمة!
هذا ليس اختلافًا في الرأي،
بل انفصام في المنطق.
المشكلة الأعمق ليست في الجهل بالوقائع، بل بتوريث الأكذوبة:
يكذب الأب، فيصدّق الابن، ثم تتحول الكذبة إلى «حقيقة شعبية» تُردّد بلا بحث ولا مراجعة.
هكذا تُصنع الذاكرة الزائفة، وهكذا يُعاد كتابة التاريخ لخدمة الانفعالات الغبية لا الحقيقة الصحيحة .
ما جرى عام 1958 لم يكن صراعًا شيعيًا–سنّيًا، بل:
انقلابًا عسكريًا وهو نتاج ثقافة العسكرة والانقلابات
وقد شارك فيه ضباط معروفون بهوياتهم وانتماءاتهم
أما الزج بالشيعة في الجريمة، فهو افتراء متأخر استُخدم لاحقًا لأغراض طائفية وسياسية لا علاقة لها بالتاريخ.
وسأعود في مقالات لاحقة لتوضيح:
موقف حزب البعث نفسه من الهاشميين الأردنيين
وكيف كان ينظر صدام حسين والايدلوجية البعثية إلى ملوك الأردن
ولماذا يتناقض حب وتمجيد صدام مع الادعاء بالدفاع عن الهاشميين
أما من قتل، ومن أمر، ومن نفّذ، فهؤلاء معروفون بالأسماء والرتب والأدوار، وليس بينهم شيعي واحد:
الجرد الكامل لمن شارك في قتل العائلة المالكة الهاشمية:
عبد الستار سبع العبوسي (سُنّي)
– ضابط في الجيش العراقي
– المنفّذ المباشر
– قاد عملية إطلاق النار داخل قصر الرحاب
– أطلق النار على الملك فيصل الثاني وأفراد العائلة
– موثّق في شهادات عسكرية وتاريخية متعددة
طه الشيخ أحمد (سُنّي)
– ضابط مشارك في القوة المقتحمة
– شارك في محاصرة القصر والسيطرة عليه
– كان جزءًا من القوة المنفّذة ميدانيًا
عبد الرزاق حسين (سُنّي)
– ضابط ضمن القوة العسكرية
– شارك في التنفيذ والاقتحام
– لا توجد أي رواية تشير إلى اعتراضه أو منعه لما جرى
عبد الكريم قاسم (سُنّي)
– القائد العام للانقلاب
– الآمر السياسي والعسكري الأعلى
– لم يحاسب
– لم يفتح تحقيقًا
– تحمّل المسؤولية الكاملة بصفته الحاكم الفعلي بعد الانقلاب
عبد السلام عارف (سُنّي)
– قائد عسكري شريك في الانقلاب
– صاحب خطاب ثوري تحريضي
– يتحمّل مسؤولية قيادية عن المناخ الذي أتاح الجريمة
الخلاصة التي لا يمكن الهروب منها هي :
ان كل من شارك في القتل هم سُنّة
والقيادة التي غطّت الجريمة هي سُنّية
والتنفيذ كان عسكريًا سُنّيًا
لم يشارك شيعي واحد لا في القرار ولا في التنفيذ ولا في الاقتحام
والمفارقة العظيمة الاخرى :
أنتم: نعم انتم وشعبكم في غالبيته ايد وبارك وهلل وكبر . وسنفرد مقالا لذلك وكيف اردتم القضاء على حكامكم الهاشميين الذن جاؤوا لكم من جزيرة العرب وحكموكم كما حكموا اهل العراق بتعيين بريطاني واضح لا لبس ولا شك فيه .
فانتم تمجّدون صدام حسين وتدافعون عن حزب البعث
وتقدّسون رموزًا أيّدت إسقاط الهاشميين أو برّرت قتلهم
ثم:
تتهمون الشيعة بالجريمة
رغم أنهم:
لم يكونوا في السلطة ولم يحملوا السلاح ولم يدخلوا حتى القصر
ولم يُذكر اسم واحد منهم في أي مصدر تاريخي .
هذا ليس اختلاف رأي،
هذا تزوير للتاريخ، وكذب على الذات، وتوريث لأكذوبة يكبر عليها الأبناء وهم يصفقون لما لم يفهموه ولم يراجعوه.
إلى الأردنيين الذين يطبّلون لصدام حسين، ثم يتهمون الشيعة بقتل العائلة المالكة الهاشمية عام 1958،
أقولها بوضوح لا لبس فيه:
أنتم تكرّرون كذبة مكشوفة، والتاريخ الموثّق يدحضها اسمًا ورسمًا.
التاريخ لا يُقرأ بالعاطفة، ولا يُكتب بالهتافات المشينة ولا بتمجيد القتلة .
من أراد الحقيقة، فليواجهها كما هي، لا كما ورث أكاذيب عن آبائه الصخول المدعين .
والخلاصة:
القتلة كانوا من أهل السنّة.
وأنتم تمجّدون وتقدّسون من أعان وشارك وغطّى تلك الجريمة.
وحزب البعث – الذي تولّى الحكم لاحقًا بعد قتل عبد الكريم – كان يضمّ من أيّد قتل الهواشم، وأنتم تقدّسونه وتبكون عليه.
ومن أحبّ عمل قومٍ حُشر معهم،
ومن أحبّ قومًا كان منهم.
وعليه، فأنتم شركاء بالتمجيد، بالتبرير، وبالذاكرة الزائفة.
أما نحن، فبراء من الدم.
هذه تذكرة،
وتحفيز لعقول صلدة،
لعلّها تستيقظ.
.................الجزء الثاني يأتي لاحقا .................
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق