الجمعة، 30 يناير 2026

تاريخ حضور “اللُّر” في العراق والكويت

تاريخ حضور “اللُّر” في العراق والكويت

بقلم: سيد نيما موسوي

يُعد قوم اللر القوميةَ الإيرانية الوحيدة التي لم تعرف امتدادا واسعا خارج حدود إيران. فعكس العديد من القوميات الأخرى كالأتراك، والبلوش، والعرب، والتركمان، والأكراد، لم ينتشر اللر كثيرا خارج إيران، ولا يزال وجودهم خارجها محدودا. ومع ذلك، تقيم بعض المجموعات اللرية اليوم في الدول المجاورة.

فمثلا، تُعدّ قبيلة “خليلي” في أفغانستان – التي تُصنَّف حاليا ضمن أقلية الهزارة – من أصول لرية، وقد انتقلت إلى أفغانستان خلال حملات نادر شاه أفشار على قندهار، واستقرت هناك. وكذلك الحال مع أقلية الكمزاريين في سلطنة عمان، التي تُقدَّر بعدة آلاف، وهم في الغالب من القبائل اللرية التي استوطنت المنطقة في عهد الشاه عباس الصفوي بعد طرد البرتغاليين من مضيق هرمز. وتُعد هذه الجماعات جزءا من الشتات اللري خارج إيران.

أما على الحدود الغربية لإيران، وتحديدا في العراق والكويت، فقد تشكّلت هناك أقليات من اللر المهاجرين. فاللر الذين يُعرفون اليوم باسم “الأكراد الفيليين”، هم في الأصل امتداد لقومية اللر الإيرانية، إلا أنهم – نتيجة لسياسات الدمج الثقافي، وخاصة خلال فترة حكم حزب البعث في العراق – انخرطوا تدريجيا في المجتمع الكردي العراقي.

وفي الكويت، يُعزى وجود اللر إلى موجات الهجرة العمالية التي بدأت في القرن العشرين، بالإضافة إلى حركات الهجرة القومية التي ظهرت تدريجيا منذ القرن التاسع عشر.

وفي هذا المقال، سنستعرض ملف وجود اللر في العراق والكويت كلٌّ على حدة.

اللُّر الفيليون في العراق

بدأ الوجود الأول للفيليين في العراق خلال العهد الصفوي، ثم في عهد القاجاريين، ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. فقد كانت ولاية لرستان خلال العهد الصفوي بمثابة حصن دفاعي عن عاصمة إيران، أصفهان، ضد الهجمات العثمانية. وفي القرن التاسع عشر، وخلال حكم فتح علي شاه القاجاري، تمكّن هذا الأخير، بدعم من قبائل اللُر والفيليين، من السيطرة على مدينة السليمانية، وهو ما أحدث منذ ذلك الوقت تغييرا كبيرا في التركيبة السكانية للمناطق الشرقية من العراق.

حتى بعد انهيار الدولة العثمانية، ظلّ للفيليين حضور بارز في مدن ومناطق مثل خانقين، والعمارة، ومندلي، وميسان، وواسط. لم يكن الفيليون يوما جزءا من القومية الكردية؛ فهم شيعة المذهب، وكانت مناطق تواجدهم الأصلية خارج نطاق المناطق الكردية. أما اسم “فيلي” فهو مشتق من كلمة “پهله”، وهو الاسم القديم لمنطقة لُرستان، والكلمتان “فيلي” و”پهلوي” ترتبطان تاريخيا بمنطقة “پهله”.

وخلال العهد الملكي في العراق، وبموجب قانون الجنسية الصادر عام 1923، اعتُبر الفيليون مواطنين إيرانيي الأصل، مما أدى إلى تصنيفهم فعليا كمواطنين من الدرجة الثانية في المجتمع العراقي. وقد شكّل هذا التصنيف أساسا قانونيا استخدمه حزب البعث لاحقا لتبرير سياسات التهجير القسري التي طُبِّقت بحقهم.

لكن في المقابل، وبفضل العلاقات الجيدة بين النظام الملكي في العراق والشاه محمد رضا بهلوي في إيران، تمكن الفيليون من تحقيق ثروة كبيرة نظرا لدورهم البارز في تجارة العراق مع إيران، خصوصا في مجالي الشاي والأخشاب. كما أن إعفاءهم من الخدمة العسكرية، بسبب تصنيفهم كمواطنين من الدرجة الثانية، ساعد على تحسين أوضاعهم الاقتصادية على المدى القصير، وإن كان ذلك قد كرّس وضعهم الاجتماعي المتدني على المدى الطويل.

أما أسباب تعارض حزب البعث مع الفيليين، فيمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسية:

الثروة الاقتصادية: منذ خمسينيات القرن العشرين، راكم الفيليون ثروات ضخمة، وكان لهم دور كبير في التجارة مع إيران، لا سيما في الشاي والأخشاب.
التحالفات السياسية: منذ ستينيات القرن، ومع تصاعد التوتر بين الأكراد وحزب البعث، حاول الفيليون الانخراط في الحراك الكردي لتوسيع مساحة نفوذهم، رغم أنهم لم يكونوا يعيشون في المحافظات الكردية، ولا يشتركون مع الأكراد في المذهب.
الانتماء المذهبي: كونهم شيعة، فقد ظلّ الفيليون موضع شك لدى حكّام البعث، الذين رغم طابعهم الخطابي العلماني، كانوا يميلون إلى تفضيل السنة، ولم يصل إلا عدد قليل من الشيعة إلى المناصب العليا في الحزب حتى نهايته.
سياسة التعريب: وهي العامل الأخطر، إذ اعتمد حزب البعث منذ أواخر الستينيات سياسة “تعريب” المناطق الشرقية للعراق، تماما كما فعل في كركوك سابقا. ففي عامَي 1969 و1980، نُقل نحو 100 ألف من الفيليين بالحافلات إلى المناطق الحدودية مع إيران، وتم ترحيلهم قسرا. كما تعرّض كثير من الفيليين في عهد البعث إلى الطلاق القسري والتهجير الإجباري، وتشير التقديرات إلى أن ما بين 15 إلى 25 ألفا منهم قد اختفوا خلال تلك الفترة.
وفي عام 2011، اعترف البرلمان العراقي رسميا بوقوع إبادة جماعية بحق الفيليين.

اللُّر في الكويت

عاشت أسرة آل صباح، الحاكمة الحالية للكويت، لسنوات طويلة في جنوب إيران، في مناطق مثل بوشهر وبندر ديلم. وتُعدّ إحدى أبرز النظريات التاريخية حول أصل هذه الأسرة نسبها إلى منطقة بندر ديلم الواقعة في محافظة بوشهر جنوب إيران، وهي منطقة يقطنها اللر على سواحل الخليج.

ومع نشوء دولة الكويت، كانت أولى موجات الهجرة اللُرية إلى البلاد من نصيب عائلة “البهبهاني”، حيث انتقل اللر البهبهانيون من إيران إلى الكويت، واندمجوا بشكل كامل في المجتمع الكويتي. استقر كثير منهم في محافظة الأحمدي، وامتهنوا أعمالا متنوعة مثل التجارة والحِرف والصناعات الورشية.

وفيما بين الحربين العالميتين، ومع الأزمة الاقتصادية التي ضربت بريطانيا وركود تجارة اللؤلؤ في الخليج عقب تطور صناعته في اليابان، كانت الكويت من أوائل الدول الخليجية التي اتجهت نحو التنمية. وبوصفها واحدة من أولى الديمقراطيات العربية، وكونها من أوائل الداعمين للقضية الفلسطينية حتى قبل قيام إسرائيل، فقد لعبت أسرة البهبهاني دورا محوريا في نهضتها. وقد شكّل مسار تطور الكويت نقيضا للنهج السياسي في إيران محمد مصدق والعراق في عهد عبدالكريم قاسم.

ومن العائلات اللرية المعروفة في الكويت كذلك أسرة “قبازرد”، ويُعد أحمد قبازرد، لاعب كرة السلة الشهير وضابط في الجيش الكويتي، من أبرز رموز هذه العائلة، ومن أيقونات المقاومة الكويتية ضد الغزو العراقي عام 1990. وقد استشهد أحمد قبازرد أثناء الحرب العراقية الإيرانية وكان يسكن في منطقة الجابرية.

أما الموجة الأولى الكبرى لهجرة اللر الإيرانيين إلى الكويت فقد حدثت في سبعينيات القرن العشرين، حين هاجر عدد كبير من اللر في جنوب إيران إلى الكويت. وقد كان سكان شَلْمزار وهفشجان – وهما منطقتان ذات أغلبية لرية بختياريّة – من أبرز المهاجرين في تلك المرحلة، وشكّلوا ثاني موجة بعد البهبهانيين وأهالي كناوه الذين وفدوا في بدايات القرن العشرين.

تُعرف هفشجان بـ”عاصمة اللحّامين” في إيران، ويقيم العديد من فنيّيها المهرة اليوم في بلدان مجاورة مثل العراق وأرمينيا. ورغم أن هفشجانيي الأصل يُعدّون فارسيين، إلا أنهم تأثروا ثقافيا بالبختياريين في العقود الأخيرة. أما شَلمزاريّو الأصل، فهم من اللر الخُلّص، ويشكلون مكوّنا آخر من المهاجرين اللر في الكويت.

وقد بلغ حجم هجرة العمّال اللر إلى الكويت حدا كبيرا، لدرجة أن مطار مدينة شهركرد – إحدى المدن الرئيسية في إقليم اللر – كان يشغّل لسنوات رحلات مباشرة إلى مطار الكويت.

وفي الثمانينيات، ومع تصاعد الضغوط على الفيليين في العراق، هاجر عدد كبير من فيليي العراق إلى الكويت. ومع أن هؤلاء الفيليين لا يعرّفون أنفسهم غالبا كـ”لر”، ويُنظر إليهم داخل العراق، خاصة بعد 2003، على أنهم “أكراد شيعة”، إلا أن الهجرة كانت ميسّرة بفعل العلاقات الجيدة بين إقليم كردستان العراق ودولة الكويت.

اليوم، يُعدّ إقليم حولّي الساحلي من أبرز مناطق تمركز اللر في الكويت.

يبدو جليا أن اللر، سواء في الكويت أو العراق، وحتى داخل إيران، لا يُظهرون نزعات هوية قومية منفصلة بشكل واضح. فاللر الإيرانيون يشكّلون العمود الفقري للقوة العسكرية الإيرانية، ولا يتصورون أنفسهم خارج الهوية الإيرانية، بعكس بعض القوميات الأخرى التي أظهرت في العقود الأخيرة ميولا قومية أقوى.

كما أن اللر في العراق، بحكم ارتباطهم بإقليم كردستان، لا يُبرزون هويتهم اللُرية، وكذلك الحال بالنسبة للّريين في الكويت، الذين لا يُظهرون نزعات قومية لُرية واضحة. ولهذا فإن آفاق توحيد الهوية أو التعاون بين اللر في إيران ونظرائهم في الدول المجاورة تبدو ضئيلة جدا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق